ابن الأثير
16
الكامل في التاريخ
عماد الدين قد استراحوا ، فقاموا أيضا معهم ، فحينئذ اشتدّ الأمر على الفرنج وبلغت القلوب الحناجر ، وكانوا قد اشتدّ تعبهم ونصبهم ، فظهر عجزهم عن القتال ، وضعفهم عن حمل السلاح لشدّة الحرّ والقتال ، فخالطهم المسلمون فعاد الفرنج يدخلون الحصن ، فدخل المسلمون معهم ، وكان طائفة قليلة في الخيام ، شرقيّ الحصن ، فرأوا الفرنج قد أهملوا ذلك الجانب ، لأنّهم لا يرون فيه مقاتلا ، وليكثروا في الجهة التي فيها صلاح الدين ، فصعدت تلك الطائفة من العسكر ، فلم يمنعهم مانع ، فصعدوا أيضا الحصن من الجهة الأخرى ، فالتقوا مع المسلمين الداخلين مع الفرنج ، فملكوا الحصن عنوة وقهرا ، ودخل الفرنج القلّة التي للحصن ، وأحاط بها المسلمون ، وأرادوا نقبها . وكان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين إلى سطح القلّة ، وأرجلهم في القيود والخشب المنقوب ، فلمّا سمعوا تكبير المسلمين في نواحي القلعة كبّروا في سطح القلّة ، وظنّ الفرنج أنّ المسلمين قد صعدوا على السطح فاستسلموا وألقوا بأيديهم إلى الأسر ، فملكها المسلمون عنوة ، ونهبوا ما فيها ، وأسروا وسبوا من فيها ، وأخذوا صاحبها وأهله ، وأمست خالية لا ديّار بها ، وألقى المسلمون النار في بعض بيوتهم فاحترقت . ومن أعجب ما يحكى من السلامة أنّني رأيت رجلا من المسلمين على هذا الحصن قد جاء من طائفة من المؤمنين شماليّ القلعة إلى طائفة أخرى من المسلمين جنوبيّ القلعة ، وهو يعدو في الجبل عرضا ، فأُلقيت عليه الحجارة ، وجاءه حجر كبير لو ناله لبعجه ، فنزل عليه ، فناداه الناس يحذرونه ، فالتفت ينظر ما الخبر ، فسقط على وجهه من عثرة ، فاسترجع الناس ، وجاء الحجر إليه ، فلمّا قاربه وهو منبطح على وجهه ، لقيه حجر آخر ثابت في الأرض فوق الرجل ، فضربه المنحدر فارتفع عن الأرض ، وجاز الرجل ، ثمّ عاد إلى الأرض من جانبه الآخر لم ينله منه أذى ولا ضرر ، وقام يعدو حتّى لحق بأصحابه ، فكان